أجرى الحوار | نفين الدميري
في حوار خاص بالكنانة .egy press
لنحتفي ونحتفل بمولد رسول الله بعودة حكيمة وحميدة إلى سنته وسيرته، ولنتخلّق بأخلاقه، ولنهتد بهديه، ولنقتف أثره في كل حين…
إنّ من المعلوم أن ثمت خلاف يحدث كل عام في مناقشة قضية الاحتفال بمولد رسول الله، وفي حوار خاص مع الأستاذ الدكتور عادل هندي كلية الدعوة الإسلامية جامعة الأزهر سوف يوضح لنا الاتي :
اولاً : كيف تحوّل العالَم من الظلام إلى النور، ومن الجهالة إلى العلم، ومن الضلال إلى الهداية؟
- العالم قبل قدوم النبي محمد صلى الله عليه وسلّم:
إِنَّ النَّاظر إلى حال الدنيا والحياة قبل قدوم الرسول يجدها بلا حياة حقيقية؛ حيث اختفى العقل والوعي، وساد الشرك والوثنية والجهالة والضلال، في كل جانب من جوانب الحياة الإنسانية. ففي الجانب الاقتصادي تأخّر وتباطؤ. وفي المجال الاجتماعي ضياع للحقوق وأكل للأموال بغير حقّ، وأد للبنات مخافة العار، وقتل للأبناء مخافة الفقر. وفي الجانب الاعتقادي: ضلال ما بعده ضلال؛ حيث زاغت العقول عن الباري والخالق جل وعلا وأشركوا معه آلهة أخرى، وادعوا له الولد، ومن الناس من عبدوا النار كالمجوس ومن على شاكلتهم، ومنهم من عبدوا الكواكب والنجوم واعتقدوا نفعها وضرها. وفي الجانب السياسي والإنساني: استعباد للضعفاء والفقراء واستذلالهم هنا وهناك.
هذا هو حال الدنيا!!
وها هو نور الله تعالى ورحمته تحل بالأرض كلها؛ إذ أذن بميلاد خير رسول وأكرم إنسان!
فما إن أذِن الله بميلاده حتى وُلِدت معه كل معاني الإنسانية، وُلِد معه حياة الأرواح كحياة الأجسام، وُلِد مع ميلاده أرقى مكارم الأخلاق، وُلِد مع مولده الحق والعدل والحرية وعودة الحقوق للضعفاء والمظلومين والمقهورين.
ثانياً: ما هي ملامح الإعداد الرباني للرسول الحبيب ؟
1. اختيار المعدن الطيب والمنشأ النقي: ففي الحديث عَنْ أَبِي عَمَّارٍ شَدَّادٍ، أَنَّهُ سَمِعَ وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» صحيح مسلم..
- وفاة الأب والأم والجدّ والعمّ وكل سند؛ ليكون يُتْمُه دليل عناية إلهية: فقد مات أبوه قبل ولادته، وماتت أمه بعد ولادته، ثم مات جدّه الذي كان يحبه كأكثر ما يحب المحب حبيبه، حتى مات عمّه أبو طالب الذي كان يحميه من أذى المشركين. وما كان ذلك إلا لبيان كمال العناية الربانية برسول الله، فربه يربيه ويعينه على الحياة بسند وكرم منه جل وعلا.
- تحبيب الاختلاء إليه صلى الله عليه وسلّم في الغار قبل البعثة؛ تنمية للمحبة الذاتية للطّاعة والعبوديّة وتأهيله للرسالة والنبوّة: فعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلاَءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ – وَهُوَ التَّعَبُّدُ – اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ…… كما روى البخاري في صحيحه.
.
4 . حماية النبيّ صلى الله عليه وسلّم من سقطات الشباب في عمُر الشباب: فيوم أن تواعد مع أحد أصدقائه ليذهب إلى أحد أندية المشركين غلبته عيناه فنام ولم يستيقظ إلا عند شروق الشمس، مما يدلل على كمال عناية الله به صلى الله عليه وسلّم.
5 . التأديب المباشر للرسول، وذلك مصداقا لما أُثِر: «أدّبني ربّي فأحسن تأديبي». ومن ثم تعوّد فعل الخير منذ أن كان صبيًّا أو شابًّا فكملت أخلاقه وحسنت صفاته وكان نبيلا في كل حال من أحوال حياته، ولننظر إلى شهادة زوجه خديجة في أول الدعوة والبعثة: «كَلَّا -أبشِرْ- وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ» كما روى البخاري في صحيحه.
ثالثاً : كيف نحتفل برسول الله على الوجـه الصحيح؟
أنّ قضية الاحتفاء والاحتفال بمولد رسول الله تعالى بالطريقة الصحيحة فرض على كل مسلم محب لنبيه ورسوله محمد.. لكن طريقة الاحتفال هي التي تحدد الحلال والحرام منها..
ومن صور الاحتفال الحقيقي برسولنا صلى الله عليه وسلّم ما يأتي:
- طاعته فيما أمر، والانتهاء عمّا نهى عنه، قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31]، ويقول سبحانه: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7].
- معايشته في سيرته والتخلق بأخلاقه في كل حدث من أحداث الحياة، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]. وهو القائل: إنما بعثت لأتمم مكارم –محاسن- صالح الأخلاق… فلنلتزم بأخلاقه، فالاحتفاء الحقيقي يكون بالتخلق بأخلاقه العظيمة..
- الاتحاد تحت رايته والتمسك بوحدة أمته: فإنه حينما تعود الأمة للوحدة والاعتصام فقد احتفلنا بحق حق الاحتفال، قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46].
- الدعوة إلى منهجه وسنته وسيرته، وإرشاد الناس للخير: فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (رواه البخاري)..
- نصرة المظلوم من أتباع دينه والسائرين على طريقته، فكما عند مسلم في صحيحه من حديث النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى”. وهو القائل أيضًا: كما في الصحيح عند البخاري –رحمه الله-: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ».
واخيراً أيها المسلمون لنحتفي ونحتفل بمولد رسول الله بعودة حكيمة وحميدة إلى سنته وسيرته، ولنتخلّق بأخلاقه، ولنهتد بهديه، ولنقتف أثره في كل حين…

كل عام والأمة الإسلامية بخير وسلام الزميلة حنان عطوان