كتبه| إيهاب الكيلاني
الحرب كشفت فرقًا هائلًا في القوة العسكرية، لكنها كشفت في الوقت نفسه أن التفوق العسكري الأمريكي لا يساوي القدرة على فرض نهاية سياسية سريعة على إيران.
تقيم الحرب بين إيران وامريكا ؟؟
أمريكا أقوى عسكريًا.. لكن إيران لم تُهزم
لا توجد مقارنة عسكرية حقيقية بين الولايات المتحدة وإيران من حيث سلاح الجو، والاستخبارات، والأقمار الصناعية، والقدرات البحرية، والذخائر الدقيقة.
الولايات المتحدة قادرة على ضرب أهداف إيرانية على نطاق واسع، وقد فعلت ذلك بالفعل.
لكن السؤال الذي يهمنا
هل تستطيع أمريكا ضرب إيران؟
الإجابة واضحة: نعم.
والسؤال الأصعب هنا : هل تستطيع أمريكا أن تضرب إيران إلى درجة تجعلها تستسلم وتقبل بالشروط الأمريكية؟
هنا ستصبح المسألة أكثر تعقيدًا.
فالحرب التي بدأت في فبراير 2026 لم تنتهِ رغم الضربات الأمريكية والإسرائيلية الواسعة، وعادت المواجهة والتصعيد بعد فترات وقف القتال.
ويصف مجلس العلاقات الخارجية الوضع حاليًا بأنه حرب بين الدولتين ذات تأثير بالغ على الولايات المتحدة، مع استمرار الخلاف حول الملف النووي ومضيق هرمز والعقوبات.
وهنا تحديدًا نجحت إيران في شيء مهم
لا يعني ذلك أن إيران «هزمت» أمريكا.
لكن إيران استطاعت أن تمنع واشنطن من الحصول على نهاية سهلة وسريعة للحرب.
وهذا فارق كبير.
إيران تعرضت لضربات قاسية جدًا، وفقدت قيادات ومنشآت وقدرات عسكرية.
وفي المقابل ما زالت قادرة على الرد وتهديد المصالح الأمريكية وحلفائها وطرق الملاحة، بينما أصبح مضيق هرمز أحد أهم أوراق الضغط في الصراع.
ولقد كبدت القواعد العسكرية بالخليج خسائر فادحة و ايضا كبدت البحرية الامريكية خسائر كبيرة.
إيران أضعف عسكريًا.. لكنها لم تُخرج من المعركة
ومن الخطأ النظر إلى المشهد باعتباره مقارنة مباشرة بين الجيش الأمريكي والجيش الإيراني.
نعم، الولايات المتحدة تمتلك تفوقًا هائلًا في الطيران والاستطلاع والأقمار الصناعية والذخائر بعيدة المدى والقدرة البحرية. و استطاعت بالفعل تدمير أجزاء كبيرة من القدرات العسكرية الإيرانية.
لكن الحرب لا تُحسم دائمًا بتدمير أكبر عدد من الأهداف.
إيران تمتلك جغرافيا واسعة، وشبكة صاروخية وطائرات مسيرة، وقدرة على استخدام وسائل غير متماثلة في مواجهة القوة الأمريكية.
وحتى بعد أشهر من الضربات، ظلت قادرة على تهديد القوات والسفن والمصالح الأمريكية في المنطقة.
وفي سبتمبر، تحدثت تقارير تحليلية عن محاولات إيرانية متكررة لاستهداف سفن أمريكية بهدف رفع تكلفة استمرار الحصار البحري.
وهنا تظهر نقطة مهمة: إيران لا تحتاج إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكريًا حتى تحقق مكسبًا سياسيًا؛ يكفيها أن تجعل استمرار الحرب مكلفًا ومعقدًا إلى درجة تدفع واشنطن إلى البحث عن مخرج سياسي.
هل تضع إيران ترامب في موقف محرج؟
يمكن القول إن استمرار الحرب يخلق مشكلة سياسية لإدارة ترامب، لكن وصف ذلك بأنه «إحراج» هو توصيف سياسي وليس حقيقة قابلة للقياس بنفس طريقة الخسائر العسكرية.
المشكلة الأساسية أن ترامب دخل الحرب بأهداف كبيرة، بينما استمرار القتال دون تسوية نهائية يجعل إثبات تحقيق تلك الأهداف أكثر صعوبة.
وهنا يصبح السؤال السياسي داخل الولايات المتحدة أكثر صعوبة:
إذا كانت الحرب ستنتهي في النهاية بتفاوض، فلماذا استمرت كل هذه الأشهر؟
وإذا كان المطلوب هو إسقاط النظام الإيراني، فهل تملك واشنطن استعدادًا لتحمل تكلفة ذلك؟
والولايات المتحدة تواجه حرجًا دوليًا أيضًا
المشكلة لا تقتصر على الداخل الأمريكي.
استمرار الحرب أدى إلى ارتفاع المخاوف المتعلقة بالطاقة والملاحة في المنطقة، خصوصًا مع تهديدات مرتبطة بمضيق هرمز والبحر الأحمر.
كما أن حلفاء واشنطن في المنطقة وأوروبا وآسيا لديهم حسابات مختلفة بشأن طول الحرب وتداعياتها.
وبالتالي فإن واشنطن لا تخوض المعركة في فراغ.
كل ضربة أمريكية جديدة على إيران قد تحقق هدفًا عسكريًا محددًا، لكنها في الوقت نفسه قد تفتح بابًا جديدًا للتصعيد، أو تهدد الملاحة والطاقة، أو تعرض القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة لهجمات انتقامية.
هل تستطيع أمريكا «مسح إيران» كما تفعل إسرائيل في غزة؟
هنا يجب التفريق بين تدمير أهداف عسكرية إيرانية وبين تدمير إيران كدولة أو إسقاط نظامها.
الولايات المتحدة تستطيع تدمير عدد هائل من المنشآت العسكرية والصاروخية والبحرية والبنية التحتية، وهذا أمر مختلف تمامًا عن السيطرة على دولة بحجم إيران وتغيير نظامها السياسي.
دراسة لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS قبل اندلاع الحرب أشارت إلى أن القوات الأمريكية الموجودة في المنطقة يمكنها تنفيذ حملة جوية وصاروخية قوية، لكنها لا تمتلك بمجرد وجودها الحالي القوة المطلوبة لعملية برية واسعة أو لتغيير النظام الإيراني، وأن مثل هذا السيناريو سيحتاج إلى قوات برية كبيرة وتكلفة ومخاطر مختلفة تمامًا.
والأهم أن القصف يستطيع تدمير منشأة، لكنه لا يستطيع تدمير المعرفة.
يمكن ضرب مصنع صواريخ، لكن يمكن إعادة بناء جزء منه. يمكن تدمير منشأة نووية، لكن لا يمكن بالقنابل وحدها إزالة العلماء والخبرة والمعرفة التي بنت البرنامج. ويمكن القضاء على جزء من القيادة، لكن ذلك لا يضمن تلقائيًا انهيار الدولة.
وهذه تحديدًا إحدى مشكلات فكرة «إنهاء إيران عسكريًا».
إذاً لماذا لا تذهب أمريكا نحو النهاية؟
لأن «النهاية» التي يتصورها البعض لها أكثر من معنى.
إذا كان المقصود تدمير أكبر قدر ممكن من القدرات العسكرية الإيرانية، فالولايات المتحدة قادرة على فعل ذلك بدرجة كبيرة.
أما إذا كان المقصود إسقاط الدولة الإيرانية والسيطرة على أراضيها أو ضمان تغيير النظام السياسي بصورة دائمة، فهذه قصة مختلفة تمامًا.
والخطر الأكبر بالنسبة لواشنطن هو أن تؤدي محاولة الوصول إلى هذه النهاية إلى حرب أطول وأوسع.
إيران تستطيع الرد على القواعد الأمريكية المنتشرة في الشرق الأوسط، وتهديد الملاحة، واستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة، كما أن لديها القدرة على جعل مضيق هرمز والطرق البحرية عنصرًا رئيسيًا في تكلفة الحرب. وقد أشارت تقارير حديثة إلى استمرار امتلاكها قدرات صاروخية ومسيرة رغم الضربات الكبيرة التي تلقتها.
هل تخشى أمريكا التصعيد الإيراني؟
نعم، لكن الأدق أن نقول إن واشنطن تحسب تكلفة التصعيد، وليس بالضرورة أنها عاجزة عن مواجهته.
القوة الأمريكية تسمح لها بتوجيه ضربات شديدة جدًا لإيران، لكن السؤال الاستراتيجي هو:
ماذا سيحدث في اليوم التالي؟
هل تتوقف إيران؟
هل ترد على القواعد الأمريكية؟
هل يتوسع القتال إلى دول الخليج؟
ماذا يحدث لسعر النفط؟
ماذا يحدث للملاحة في هرمز والبحر الأحمر؟
هل تضطر أمريكا إلى إرسال قوات برية؟
وإذا سقط النظام الإيراني، فمن يملأ الفراغ؟
هذه الأسئلة تجعل الحرب مختلفة عن مجرد معركة جوية يمكن حسمها بتفوق الطائرات والقنابل.
لو سألنا: هل ترامب ضعيف أمام إيران؟
لا. هذا غير دقيق.
ولو سألنا: هل ترامب يسيطر على مسار الحرب بالكامل؟
أيضًا لا.
الأحداث أثبتت أن إيران والحوثيين وتداعيات الطاقة والملاحة وحسابات الحلفاء تستطيع التأثير في قرارات واشنطن.
ولو سألنا: هل قراراته متماسكة تمامًا؟
الأدق أنها متغيرة ومتناقضة في بعض الأحيان، لكن ليس من الممكن الجزم بأن السبب هو ارتباك شخصي؛ قد يكون جزء من ذلك استراتيجية ضغط وتفاوض، وجزء آخر نتيجة اضطراره للتعامل مع نتائج لم تكن كلها تحت سيطرته.
والحقيقة الأكثر وضوحًا هي أن ترامب اكتشف أن امتلاك القوة الأكبر لا يعني امتلاك القدرة على التحكم في جميع نتائج الحرب.
وهذا ربما يكون أهم درس في الحرب الأمريكية الإيرانية حتى الآن.
