سوريا : بلال محمد على الديراني
يشهد المشهد السياسي السوري في هذه المرحلة (تشرين الأول-اكتوبر 2026) منعطفات دقيقة وحساسة، تتأرجح فيها البلاد بين محاولات تثبيت اركان الدولة الجديدة وكسر العزلة الدولية، وبين التحديات الأمنية المعقدة والضغوط الإقليمية.
وفيما يلي تحليل لأبرز الملفات والاتجاهات السياسية الراهنة في سوريا:
1. المسار الدبلوماسي والانفتاح الخارجي
- فك الإحكام الدولي: تسعى الحكومة السورية بخطى حثيثة لتثبيت واقع ما بعد سقوط النظام السابق، مستفيدة من التفاهمات الدولية والإقليمية لتخفيف القيود الاقتصادية وتفعيل قنوات التواصل الدبلوماسي (مثل اللقاءات الدبلوماسية مع الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة كالأردن وغيرها لبحث التعاون المشترك ورفض الاعتداءات).
- الدبلوماسية الواقعية: تتبنى دمشق مساراً يقوم على محاولة استعادة الدور الإقليمي عبر الدبلوماسية وضبط التماسات، في محاولة لإعادة دمج سوريا في المنظومة العربية والدولية، مع وجود تحدٍ مستمر يتمثل في انتزاع اعترافات أوسع وترسيخ شرعية المؤسسات الانتقالية.
- 2. التحديات الأمنية الداخلية وضبط السيادة
- خلايا التنظيمات المتطرفة: لا تزال العمليات الأمنية تشكّل عبئاً مركزياً على الحكومة، مما يفرض أولوية أمنية مستمرة تستهلك جزءاً من جهود الاستقرار والبناء المؤسسي.
- إدارة التباينات الجغرافية والمحلية: تعاني الدولة من تحديات فرض السيطرة والاندماج الكامل مع بعض المناطق ذات الخصوصية (مثل التوتر المستمر في السويداء وبعض مناطق الشمال والشرق)، فضلاً عن تنامي النقاشات حول مخاطر التعبئة والنعرات والتدخلات التي تهدد السلم الأهلي واستقلال القرار الوطني.
3. التهديدات الإسرائيلية والضغط العسكري المباشر- الاعتداءات المستمرة في الجنوب: يشكل الملف الإسرائيلي والتوغل المتكرر واستهداف مناطق في الجنوب السوري (درعا، القنيطرة، وأجواء السويداء) التهديد الاستراتيجي الأخطر والأكثر تعقيداً لدمشق.
- عجز هذه الترتيبات عن كبح الهجمات يجعل الحكومة أمام معادلة صعبة تجمع بين الرغبة في تجنب مواجهة عسكرية واسعة ومدمرة، وبين الضغط الشعبي والوطني المندد بالانتهاكات المستمرة للسيادة السورية.
4. ملف العدالة الانتقالية وإعادة الإعمار- بناء الثقة الداخلية: بدأت تبرز على الطاولة قضايا العدالة الانتقالية (من خلال تحويل ملفات وقضايا نوعية إلى محاكم الجنايات في دمشق)، وهي خطوة وإن كانت بطيئة إلا أنها تُعد ركيزة أساسية لرأب الصدع المجتمعي وبناء ثقة المواطن بالدولة الجديدة.
- التعافي الخدمي والاقتصادي: رغم بعض الخطوات الإيجابية (مثل ترحيل أجزاء واسعة من أنقاض الحرب، وتطوير الموانئ كمرفأ اللاذقية، وإطلاق مشاريع تنموية)، يظل الوضع الاقتصادي والمعيشي ضاغطاً بقوة على الحاضنة الشعبية، حيث ترتبط شرعية أي مسار سياسي قدرته على تحسين جودة الحياة اليومية وتوفير مقومات الصمود الأساسية.
خلاصة المشهد:
تقف سوريا حالياً في مرحلة “إدارة الهشاشة والتحول الحذر”؛ فلا هي قريبة من العودة إلى حرب الشمولية السابقة، ولا هي استوت على دولة استقرار مؤسسي كامل. والرهان الأكبر للقيادة السياسية يكمن في مدى قدرتها على موازنة الضغوط الأمنية الخارجية (خصوصاً الإسرائيلية) مع فرض سلطة القانون وبناء جبهة داخلية متماسكة تقوم على المواطنة والعدالة لتجنب تآكل الثقة الشعبية.
