بقلم|إيهاب الكيلاني
لم تعد العلاقة بين الرجل والمرأة مجرد قضية حقوق وواجبات، بل أصبحت في بعض الخطابات ساحة صراع، يُصوَّر فيها الرجل وكأنه خصم للمرأة، وتُختزل فيها الحرية أحيانًا في التمرد على كل ما يربط الإنسان بأسرته ومسؤولياته. وهنا يفرض السؤال نفسه: هل الهدف هو إنصاف المرأة فعلًا، أم أن بعض الأفكار المطروحة تدفع العلاقة بين الرجل والمرأة إلى مسار يهدد استقرار الأسرة؟
أنا لا أعادي حقوق المرأة، ولا أقبل ظلمها أو الانتقاص من كرامتها، لكنني أرفض أن تتحول المطالبة بالحقوق إلى خصومة مع الرجل، أو أن يصبح الحفاظ على الأسرة تهمة، وأن تُقدَّم المسؤولية الزوجية وكأنها قيد يجب التخلص منه.
فحقوق المرأة ليست منحة من مؤسسة، ولا فضلًا من كيان، ولا اختراعًا حديثًا؛ فالله سبحانه وتعالى قرر لها حقوقها، وصان كرامتها، وجعل العلاقة بين الزوجين قائمة على العدل والمودة والرحمة. قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
فأين المشكلة إذن؟ المشكلة تبدأ عندما يُفصل الحديث عن الحقوق عن الحديث عن الواجبات، وعندما يُطالَب طرف بكل حقوقه، بينما يُتجاهل ما عليه من مسؤوليات تجاه الطرف الآخر. فالزواج ليس معركة لإثبات من الأقوى، ولا علاقة يفوز فيها أحد الزوجين على حساب الآخر، بل شراكة تقوم على الاحترام المتبادل وتحمل المسؤولية.
وفي المقابل، ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي أصوات نسائية تتحدث عن قيمة الرجل في حياة المرأة، وعن نعمة وجود الزوج الذي يشاركها أعباء الحياة ويحافظ معها على استقرار الأسرة.
وتؤكد بعض هذه الأصوات أن الرجل الذي يتحمل مسؤوليات بيته يستحق التقدير، لا أن يُعامل باعتباره خصمًا أو شخصًا ينبغي التقليل من شأنه.
لكن الرسالة التي تستحق التوقف أمامها هي أن الاعتراف بحقوق المرأة لا يستلزم إنكار قيمة الرجل، واحترام الرجل لا ينتقص من كرامة المرأة.
وفي مشهد آخر، شاهدنا عبر مواقع التواصل الاجتماعي نساء يعلنّ رفضهن أن تتحدث بعض المؤسسات باسمهن و يخرجن من تحت مظلة هذه المؤسسات و المنظمات المداومة، بويؤكدن أنهن لا ينتمين إليها ولا يقبلن أن يُختزل موقف المرأة المصرية في توجهات جهة بعينها، بعدما وجدن واكتشفن أن ما وصلت إليه الأسرة و المجتمع نتيجة لما دعمته هذه الكيانات .
وكما يذكر في الأمثال الشعبية ( كتر الزن على الودان أمرّ من السحر) فكان السحر يهدف لتدمير الاسرة والمجتمع لهشهشة مقومات التماسك و تحقيق أهداف أجندات خارجية.
هذه المشاهد تفتح بابًا مهمًا للنقاش: هل تمثل هذه الكيانات جميع النساء فعلًا؟ وهل تتفق البرامج والخطابات التي تتبناها مع احتياجات المرأة المصرية الحقيقية ومع عقيدة الاديان وطبيعة الحياة المجتمعية، أم أن هناك نساءً يشعرن بأن أصواتهن لا تجد مكانًا داخل هذه الكيانات، وأن رؤيتهن للأسرة والزواج تختلف عما يُطرح باسمهن؟
كما شهدنا مناقشات تلفزيونية حول أفكار وممارسات تتعلق بالعلاقات الإجتماعية الزوجية، و بعض برومهات البرامج التي يذكر فيها 《أن زوجة ضربت زوجها وقامت بطرده من منزل الزوجية》، ويقابل هذا بنوع من بالتباهي والفخر من ضيفة الحلقة، فتلك الأفعال و التأكيد لها أثارت اعتراضات من متخصصين في الشأن الديني، وطرحت تساؤلات حول مدى توافق بعض الطروحات مع فهم الدين لمسؤوليات الزوجين وحقوق كل منهما.
وهنا يصبح من الضروري أن نناقش الأفكار بوضوح، وأن نميز بين المطالبة بحق مشروع وبين طرح قد يؤدي، إذا أُسيء فهمه أو تطبيقه، إلى زيادة الخلاف داخل الأسرة بدلًا من إصلاحه.
والسؤال الذي لا ينبغي تجاهله: ما الأهداف التي تسعى إليها المؤسسات المعنية بحقوق المرأة؟
وما طبيعة البرامج التي تنفذها؟
ومن يحدد أولوياتها؟
وإذا كانت هناك جهات تتلقى تمويلًا خارجيًا، فما مصادر هذا التمويل، وما شروطه، وكيف تُعلن أوجه إنفاقه والنتائج التي تحققها البرامج الممولة؟
هذه أسئلة مشروعة لا تعني إدانة أي جهة لمجرد وجود تمويل، لكنها تعني أن الشفافية والمحاسبة حق للمجتمع، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقضايا الأسرة والتربية والعلاقات الإنسانية.
فمن حق المواطن أن يعرف طبيعة الخطاب الذي يُقدَّم إلى المجتمع، وأن يناقش أثره في حياة الناس، بدلًا من أن تتحول شعارات الحقوق إلى كلمات لا يجوز الاقتراب منها أو مناقشة نتائجها.
وفي السنوات الأخيرة، تزايد الحديث المجتمعي عن الطلاق والخلافات الزوجية والنزاعات الأسرية بل وزادت نسبتها بشكل يستدعي الدهشة، وأصبحت أخبار الجرائم التي تقع داخل البيوت صادمة ومتكررة في نظر كثيرين.
ويستدعي ذلك أن نتوقف أمام ما يحدث، وأن نبحث عن أسبابه الحقيقية، وأن نتساءل عن دور التربية والإعلام والخطاب الاجتماعي والقانوني في تشكيل نظرة الرجل والمرأة إلى بعضهما البعض.
لقد عرف المجتمع المصري، عبر أجيال متعاقبة، نماذج كثيرة من الأسر التي تحملت الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، وحافظت على ترابطها بالتفاهم والصبر وتحمل المسؤولية. ولم تكن تلك الأسر خالية من المشكلات أو الظلم، لكن السؤال الذي يستحق البحث هو: ما الذي تغير في طبيعة العلاقات الأسرية؟ وهل ساهمت بعض الخطابات الحديثة في تعميق الخلاف بين الزوجين، أم أن التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية لعبت دورًا أساسيًا في ذلك؟ إن الإجابة تحتاج إلى بحث جاد وبيانات واضحة، لا إلى شعارات متبادلة.
لكن السؤال الأهم: من يدفع الثمن عندما تتحول العلاقة بين الرجل والمرأة إلى صراع مستمر؟
الإجابة تبدأ من الأطفال.
فالطفل الذي ينشأ وسط خصومة دائمة بين أبويه، أو يتحول إلى وسيلة للضغط والانتقام، هو أول من يدفع ثمن انهيار العلاقة الأسرية.
وقد يحمل آثار هذه التجربة معه لسنوات طويلة، فتتأثر ثقته بنفسه وبالآخرين، وتتشكل لديه صورة مشوهة عن الزواج والحب والمسؤولية.
وعندما تتفكك الأسرة، لا يتوقف أثر ذلك عند حدود الزوج والزوجة، بل يمتد إلى الأبناء والأقارب والمجتمع كله. فالأسرة ليست مجرد علاقة شخصية بين رجل وامرأة، وإنما هي البيئة الأولى التي يتعلم فيها الطفل معنى الاحترام والتعاون والانضباط وتحمل المسؤولية.
والأخطر أن تتحول لغة الحقوق إلى مبرر للتسلط أو الإهانة أو العنف، سواء صدر ذلك من رجل أو امرأة.
فالحق لا يمنح صاحبه رخصة لإذلال الطرف الآخر، والاستقلال لا يعني إسقاط المسؤولية، والقوة لا تُقاس بالقدرة على فرض الإرادة داخل البيت.
وقد شهد المجتمع جرائم أسرية مروعة، شملت قتل الأزواج أو الأبناء، وغيرها من الوقائع التي تهز الضمير الإنساني.
وكل جريمة من هذه الجرائم تستوجب تحقيقًا جادًا ومحاسبة عادلة، كما تستوجب البحث في دوافعها والظروف التي سبقتها، دون تبرير العنف أو استخدام المآسي لإدانة جنس كامل أو اتهام جهة بعينها بلا دليل.
لكن من المهم أيضًا ألا نتعامل مع هذه الوقائع باعتبارها أخبارًا عابرة تنتهي بمجرد انتهاء التغطية الإعلامية.
فكل جريمة أسرية تطرح أسئلة عن التربية، والصحة النفسية، والضغوط الاقتصادية، وطبيعة الخلافات الزوجية، ومدى وجود آليات فعالة للوقاية من العنف وحماية الأطفال.
لسنا أمام معركة بين الرجل والمرأة، بل أمام مسؤولية مشتركة تتطلب مراجعة كل خطاب يزيد الكراهية أو يشجع على الانتقام أو يصور الطرف الآخر باعتباره عدوًا.
فالمرأة ليست عدوة الرجل، والرجل ليس عدو المرأة، والأسرة لا يمكن أن تستقر إذا دخل الزوجان حياتهما بعقلية المنتصر والمهزوم.
وهنا نعود إلى الأساس الذي لا ينبغي أن نغفله: الرجوع إلى كتاب الله، لا بمجرد ترديد الآيات، وإنما بفهمها وتدبرها والعمل بما تدعو إليه من عدل ورحمة ومسؤولية.
فالله سبحانه وتعالى لم يجعل العلاقة الزوجية قائمة على الظلم أو الاستعلاء، وإنما جعل لكل طرف حقوقًا وعليه واجبات، وأمر بحسن العشرة، ووضع للإنسان ميزانًا أخلاقيًا يحفظ كرامته وكرامة من يعيش معه.
إن الحقوق التي قررها الله لا تحتاج إلى أن تتحول إلى سلاح في يد طرف ضد الآخر، ولا إلى شعارات ترفعها المؤسسات ثم تتصارع حول تفسيرها.
المطلوب أن يعرف كل إنسان حقه وواجبه، وأن يدرك أن الحياة الزوجية لا تُبنى على المطالبة وحدها، بل على العطاء والتفاهم والاحترام المتبادل.
و المطلوب أيضا محاكمة من يروحون لهذه المعاملات و المطالبات وإيقاف البرامج والإعلام الداعم لهذه الاجندات و محاسبتهم بشده .
لسنا ضد حقوق المرأة، ولا مع ظلم الرجل؛ نحن مع ميزان عدل يحفظ كرامة الاثنين ويصون الأسرة التي تمثل نواة المجتمع
وإذا كانت الأسرة هي أساس المجتمع، فلماذا نسمح بتحويل العلاقة بين الرجل والمرأة إلى معركة يدفع ثمنها الأطفال أولًا، ثم المجتمع بأكمله؟ ومن المستفيد من استمرار هذا الصراع؟
