سوريا : بلال محمد علي الديراني

تمرّ سورية بمرحلة انتقالية ومفصلية تُعد من أبرز المنعطفات في تاريخها الحديث. فبعد عقود من الأزمات العميقة والتحولات الجذرية التي شهدتها البلاد، باتت تساؤلات المستقبل تحظى بأولوية قصوى على الصعيدين الداخلي والإقليمي. إن الحديث حول مستقبل سورية سياسياً واقتصادياً يتطلب قراءة موضوعية تتجاوز توصيف الألم إلى تفكيك مقومات النهوض، لرسم صورة أقرب للواقع لما يمكن أن تكون عليه سورية بقادم الأيام.
​أولاً: المسار السياسي.. بإتجاه إعادة هندسة الدولة ومؤسساتها
​يواجه المشهد السياسي السوري تحديات جسيمة مرتبطة بإعادة بناء العقد الاجتماعي وتأسيس بيئة سياسية مستقرة ومستدامة. وترتكز ملامح المستقبل السياسي على عدة محاور رئيسية:

  1. ​بناء دولة المؤسسات وسيادة القانون: إن التحدي الأكبر يتمثل في الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إرساء مؤسسات وطنية فاعلة وشفافة، تضمن المساواة وتفكك تركات الماضي القائمة على المحسوبية وشبكات الولاء الضيقة. ويتطلب هذا إصلاحاً دستورياً وقانونياً حقيقياً يضمن فصل السلطات ويحمي حقوق المواطنة.
  2. ​الاندماج الوطني وإعادة اللحمة الجغرافية: يظل تحقيق الاستقرار السياسي رهناً بقدرة الدولة على توحيد الأراضي السورية تحت مظلة وطنية واحدة بمؤسسات متجانسة، ودمج المناطق المختلفة (بما فيها شمال وشرق البلاد) ضمن إدارة مركزية ومحلية متوازنة تلبي تطلعات جميع مكونات الشعب السوري دون إقصاء.
  3. ​التوازنات الإقليمية والدولية: تتأثر سورية بشكل مباشر بديناميكيات الصراع والتعاون الإقليمي والدولي. إن استعادة القرار الوطني المستقل وتأسيس علاقات متوازنة مع محيطها العربي والدولي كفيلان بتخفيف حدة الاستقطاب وتحويل سورية إلى نقطة التقاء للمصالح لا ساحة للصراعات بالوكالة.
    ​ثانياً: المسار الاقتصادي.. من الانكماش والتحديات إلى رهان التعافي
    ​يشهد الاقتصاد السوري مؤشرات تعافٍ حذرة واستقراراً نسبياً مقارنة بسنوات الذروة الدموية، وسط توقعات دولية (مثل تقارير البنك الدولي وصندوق النقد لعام 2026) تشير إلى إمكانية تسجيل معدلات نمو إيجابية مدفوعة بانتعاش قطاعات الزراعة، والنفط، والإنشاءات، وحركة التجارة. غير أن هذا التعافي يواجه عقبات بنيوية تتطلب معالجة جذرية:
  4. ​معضلة التضخم وتآكل القدرة الشرائية: على الرغم من تسجيل نسب نمو متوقعة وتحسن طفيف في بعض المؤشرات النقدية، إلا أن شبح التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة يظل الهاجس الأكبر للمواطن. فالتحدي لا يقتصر على تحقيق أرقام نمو على الورق، بل في انعكاس ذلك إيجابياً على الأجور ومستوى الدخل الفعلي.
  5. ​إعادة الإعمار والاستثمار كقاطرة للنمو: تمتلك سورية موقعاً جغرافياً فريداً يجعلها مؤهلة للتحول إلى مركز لوجستي إقليمي يربط بين آسيا وأوروبا عبر البحر المتوسط. إن جذب الاستثمارات الأجنبية والعربية، وتسهيل تدفق رؤوس الأموال لإنشاء المصارف والشركات، وتأهيل البنية التحتية المتضررة (وخاصة قطاع الطاقة والكهرباء) هي شروط لا غنى عنها للانتقال من مرحلة “الاستقرار الهش” إلى “النمو المستدام”.
  6. ​التحول نحو اقتصاد الإنتاج والتنافسية: يتعين على صانع القرار الاقتصادي في سورية الانتقال من اقتصاد الدعم الشامل المتهالك أو اقتصاد الريع والحروب إلى نموذج اقتصادي مرن يعتمد على الابتكار، ودعم القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعات التحويلية، والاستفادة من طاقات الكفاءات الشابة والمغتربة التي تمثل رأس المال الحقيقي لإعادة البناء.
    ​بالختام: يبقى الرهان على الإرادة الوطنية
    ​إن مستقبل سورية اقتصادياً وسياسياً ليس مساراً حتمياً مرسوماً مسبقاً، بل هو ثمرة لخيارات واعية وإرادة سياسية حقيقية تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. فبينما يحمل الواقع طيات تحديات هيكلية معقدة، تلوح في الأفق فرص واعدة إذا ما أحسن استثمار الموقع الاستراتيجي، والموارد البشرية والطبيعية، وبناء شبكات أمان اجتماعي تحمي الفئات الأكثر هشاشة، لتعود سورية تدريجياً إلى دورها الفاعل والحيوي على الخريطتين الإقليمية والدولية

By ehabadp

رئيس مجلس إدارة صحيفةالكنانة. egy press

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *